الرئيسية / مقالات متنوعة / في غرفة التحقيق عام 1988
محمد بوداي - كاتب وباحث سوري

في غرفة التحقيق عام 1988

في غرفة التحقيق
عام 1988
حتى لانقع بنفس الاخطاء في سوريا المستقبل
الان، والان فقط، وبوجود قراء من امثالكم يقيمون المادة المنشورة كما يجب ان تقيم ولايقرؤنها كما يقرأون كليلة ودمنه، انا واثق باننا على الطريق الصح. سكة الحديد يمكن لشخص واحد ان يصممها ولكن وضع القاطرة الاولى عليها يحتاج لجهود الكثيرين.
الهدف من ابحاثي ليست اقناع الناس بانهم على خطأ وانا على صواب، الهدف هو تشجيع القراء على قراءة ما يخالف معتقداتهم بدلا من التنادي لقطع رؤوس بعضنا. الهدف هو حلزنة التفكير الذي تكور على نفسه منذ الف عام وتمزيق شرانق القداسة عن الماضي والتوقف عن عبادة الاشخاص سواء باسم الدين او القومية او السياسة. رحم الامة خصب وينجب العباقرة والابطال في كل جيل ولكن معتقداتنا الدينية ابت الا ان تخرجهم عبر قوالب السلف بحيث صرنا نكرر انفسنا ونكبح جماح تطورنا. امامنا فرصة نادرة يجب استغلالها وهي اعادة النظر بكل تراثنا الديني والتاريخي والسياسي وبدون ذلك سنبقى نراوح بالمكان وهي اول خطوة للخروج من الزمان.
قبل 27 سنة كتبت بحثا وقدمته للمسؤولين حول ضرورة اعادة النظر في تاريخنا – كنت آنذاك اعمل في ادارة التوجيه المعنوي لقوى الامن الداخلي – لم يفهمني احد، وفيما بعد وجدت انه من الانسب علي ان اهاجر فهاجرت.
وتمتلكني الان رغبة جامحة لسرد بعض ماجاء في في التحقيق الذي جرى معي ( مكافأة) على دراستي تلك باختصار:
انا: في المؤلفات الكاملة لزكي الارسوزي ( منظر حزب البعث الحاكم) يتهم ابراهيم هنانو بانه عميل تركي – ايطالي وانه اطلق النار على رئيس حركة القوميين وقتله في مكتبه، وفي الكتب المدرسية نقول انه احد الابطال القوميين. كتاب الارسوزي مطبوع في الادارة السياسية للجيش والقوات المسلحة، والكتب المدرسية في مطابع وزارة التربية. وكلتا الجهتين تابعتين للدولة. فكيف سنقنع الطالب باننا على حق؟
جاء الجواب: اي ما حدا رح ينتبه لذلك غير واحد يبحث في المياه العكرة مثلك.
انا: في كتبنا المدرسية نقول بان الفلسطينيين هم بقايا احدى شعوب البحر – البلستي – التي غزت ارض كنعان وبان الساميين والحاميين اولاد نوح، واليهود من نسل سام – الامير – والعرب من نسل حام – عبد سام – وفي شعاراتنا السياسية نطالب بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني علما بان التوراة بذاتها تقول ان اليهود ليسوا من قوم نوح ولكن كتبنا المدرسية تابى الا ان توحي للطالب بان اليهود من سام وان العرب عبيدهم من حام. واقترحت اعادة النظر بتراثنا الديني الذي يناقض طموحاتنا القومية على غير حق.
فكان الجواب: انني اشكك بالحقوق القومية للشعب الفلسطيني.
انا: في ادبياتنا الدينية كلها نعترف بان القدس بناها اليهود، وفي ابحاثنا التاريخية نصر على عروبتها. وغدا قد يظهر جيل متطرف يعتبر عروبة القدس كفر لانه يخالف المعتقدات الدينية. ولابد من تطهير تراثنا الديني من الاسرئيليات.
فكان الجواب: هؤلاء المتدينون اغبياء لايعرفون وين الله حاططهن وكلامهم لانعترف به.
انا: في ادبياتنا القومية نعتبر اليهود محتلين ودخلاء، وفي ادبياتنا الدينية نحتفل بانتصار داوود الاسرائيلي على جالوت الفلسطيني.
فكان الجواب: نحن دولة علمانية لاتهمنا الادبيات الدينية.
وماذا نقول للطالب الذي يدرس كل هذا؟ نحن ننشئ جيلا مصابا بانفصام في شخصيته الحضارية. وغدا قد تصطدم العروبة والاسلام صداما دمويا لايبق ولايذر.
فكان الجواب: الناس راكضة ورا ربطة خبز وماحدا منتبه لهل شي فلا تبحث فيما لايعنيك.
انا: في اجتماعاتنا الحزبية ندعوا الى المواطنة على اساس الدين لله والوطن للجميع ولكن شيوخ الطوائف تشحن الناس بالكره الطائفي وتاثيرهم اقوى من تاثير الحزب. فاذا لم نعمل على تقليص دور رجال الدين وتاثيرهم على عقول الشباب فسوف يؤدي ذلك مستقبلا لانفجار لاتحمد عقباه.
فكان الجواب: انت تشكك بقوة تاثير الحزب في وعي الجماهير.
رباه من غبائنا الذي يحتل كياننا من نخاعنا الشوكي حتى قلامات اظافرنا. كيف لنا ان نصبح امة ونحن مصابون بانفصام في شخصيتنا الحضاريه؟ مرة يحرضون عروبيينا على مسلمينا ويسفكون دمنا، ومرة يحرضون اسلاميينا على عروبيينا ويسفكون دمنا ونحن مازلنا مدثرين بعباءة الائمة الاربعة، والتغني بحكمة قادتنا، غارقون بحفلات الصلاة على النبي حتى الصباح، ونحمل شعارات اكبر من انفسنا. مشدوهين بحفلات ضرب الشيش ومنامات الصالحين عن لقائهم مع الله. تركنا علوم الدنيا وادعينا بان الله اعطانا العلوم الباطنية، ومازلنا نبحث عن اسم الله على ذيل سمكة او حبة بطاطا ونحن لاننتج من الخبز مانشبع به بطون شعوبنا الجائعة.
انا لم اطالب بهدم الماضي بل، باعادة النظر فيه وفك اسرنا منه للتفرغ الى المستقبل لكن لم اجد اذنا تصغي الي.
اواه ياوطني، لقد حولوا ثوب عرسك الابيض الى كفن، وباعوا دمك بالمزاد باسواق النخاسة الطائفية.

محمد بوداي - كاتب وباحث سوري

محمد بوداي – كاتب وباحث سوري

.

.

عن الادارة

إدارة الشبكة - تصميم - تحرير -متابعة
x

‎قد يُعجبك أيضاً

انزلوا عن الشجرة أو استعدوا للأسوأ

انزلوا عن الشجرة أو استعدوا للأسوأ   الساعات تمر، والاستعراض السعودي مستمر على الشاشات بطولاتٍ ...